أبو نصر الفارابي
34
كتاب السياسة المدنية
نقص يخصه وكمال يخصه ليس هو للآخر ، من قبل أن الصورة بها يكون أكمل وجودي الجسم وهو وجوده بالفعل . والمادة بها يكون أنقص وجودي الجسم وهو وجوده بالقوة . والصورة توجد لا لأن توجد بها المادة ، ولا لأنها فطرت لأجل المادة . والمادة موجودة لأجل الصورة ، أعني ليكون قوام الصورة بها . فبهذا تفضل الصورة المادة « 1 » . والمادة تفضل الصورة بأنها لا تحتاج في وجودها إلى أن تكون في موضوع ، والصورة تحتاج إلى ذلك . والمادة لا ضد لها ولا عدم يقابلها ، والصورة لها عدم أو ضدّ ، وما له عدم أو ضدّ فليس يمكن أن يكون دائم الوجود . والصور تشبه الأعراض إذ كان قوام الصور في موضوع وقوام الأعراض أيضا في موضوع . وتفارق الصور الأعراض بأن موضوعات الأعراض لم تجعل لأجل وجود الأعراض ولا لتحمل الأعراض . وأمّا موضوعات الصور ، وهي المواد ، فإنما جعلت لتحمل الصور . والمادة موضوعة لصور متضادة ، فهي قابلة للصورة ولضد تلك الصورة أو عدمها . فهي تنتقل من صورة إلى صورة دائما بلا فتور ، وليست بصورة أولى من ضدها ، بل قبولها للمتضادات على السواء « 2 » .
--> ( 1 ) لاحظ التكرار في هذه الفقرة كما ورد في الفقرة قبل السابقة . ( 2 ) يرى الفارابي أن المادة والصورة أنقص المبادي الستة . ثم إنهما تتفاضلان فيما بينهما . فالصورة تفضل المادة لأن المادة وجدت من أجل الصورة وبها يكون أنقص وجودي الجسم . والمادة تفضل الصورة لأنها لا تحتاج إلى موضوع تكون فيه كالصورة ، ولأنها لا ضد لها ولا تنعدم كالصورة . إنها تقبل الصور المتضادة .